ابن كثير
358
البداية والنهاية
معشر ، قال : وقد قيل إن الذي حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وقيل ابنه يزيد بن هشام فالله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة ففيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح مطامير وهو حصن ، وافتتح مروان بن محمد بلاد صاحب الذهب ، وأخذ قلاعه وخرب أرضه ، فأذعن له بالجزية في كل سنة بألف رأس يؤديها إليه ، وأعطاه رهنا على ذلك . وفيها في صفر قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الذي تنسب إليه الطائفة الزيدية ، في قول الواقدي ، وقال هشام الكلبي : إنما قتل في صفر من سنة ثنتين وعشرين فالله أعلم . وقد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعا للواقدي ، وهو أن زيدا هذا وفد على يوسف بن عمر فسأله هل أودع خالد القسري ( 1 ) عندك مالا ؟ فقال له زيد بن علي : كيف يودعني مالا وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة ؟ فأحلفه أنه ما أودع عنده شيئا ، فأمر يوسف بن عمر باحضار خالد بن السجن فجئ به في عباءة ، فقال : أنت أودعت هذا شيئا نستخلصه منه ؟ قال : لا ، وكيف وأنا أشتم أباه كل جمعة ؟ فتركه عمر وأعلم أمير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك ، ويقال بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا . ثم إن طائفة من الشيعة التفت على زيد بن علي ، وكانوا نحوا من أربعين ألفا ، فنهاه بعض النصحاء عن الخروج ، وهو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وقال له : إن جدك خير منك ، وقد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا ، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم ، وإني أحذرك من أهل العراق . فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة ، على كتاب الله وسنة رسوله حتى استفحل أمره بها في الباطن ، وهو يتحول من منزل إلى منزل ، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة ، فكان فيها مقتله كما سنذكره قريبا . وفيها غزا نصر بن سيار أمير خراسان غزوات متعددة في الترك ، وأسر ملكهم كور صول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفه ، فلما تيقنه وتحققه ، سأل منه كور صول أن يطلقه على أن يرسل له ألف ( 2 ) بعير من إبل الترك - وهي البخاتي - وألف برذون ، وهو مع ذلك شيخ كبير جدا ، فشاور نصر من بحضرته من الامراء في ذلك ، فمنهم من أشار باطلاقه ، ومنهم من أشار بقتله . ثم سأله نصر بن سياركم غزوت من غزوة ؟ فقال : ثنتين وسبعين غزوة ، فقال له نصر : ما مثلك يطلق ، وقد شهدت هذا كله ، ثم أمر به فضربت عنقه وصلبه ، فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون ويبكون عليه ، وجذوا لحاهم وشعورهم وقطعوا آذانهم وحرقوا خياما
--> ( 1 ) في رواية عند الطبري 8 / 260 وابن الأثير 5 / 230 وابن الأعثم 8 / 109 - 110 أن زيد بن خالد هو الذي ادعى انه أودع مالا لدى زيد بن علي ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ( رض ) . ( 2 ) في ابن الأثير 5 / 237 : أربعة آلاف .